تحوّل الضوء الأخضر الداكن إلى شعاعٍ انقضّ بقوة على صدر الرجل العجوز، وغاص داخل الرداء الأسود الفضفاض، كأنه ضوء شمس لا يمكن إيقافه.
كان الرجل العجوز قد بدا أصغر بسبع أو ثماني سنوات، لكن ملامحه تشوّهت، وظهرت على كل جزء مكشوف من جلده علامات الذوبان.
تلاشت هالته بسرعة.
وفي اللحظة نفسها انفجرت منه دفعة هائلة من قوة الحياة. وتحت الجلد الذائب كانت اللحم والدم تتلوّى في محاولة لمقاومة التحوّل.
ثم أظلمت عينا الرجل العجوز ذي الرداء الأسود واختفى فجأة.
وفي لحظة، ظهر وجهٌ غائم على الكرسي ذي الذراعين عند طاولة الطعام، مندمجًا مع الخشب البني، وكاد يتضح.
لكن في تلك اللحظة انهمرت ألسنة لهب من السقف المشتعل باللون القرمزي، فغمرت الكرسي وأحرقته بسرعة.
قبل أن يكتمل تشكّل الوجه البني، تراجع تحت وطأة النار العنيفة.
بعدها فقد لوميان أثر الرجل العجوز ذي الرداء الأسود تمامًا.
وخلال تفقده للمحيط، كان لوغانو الممدّد على طاولة الطعام قد نهض فجأة وقفز أرضًا. حدّق في لوميان بعينين فارغتين، كأنه زومبي تائه.
ضحك لوميان بخفة، ورفع يده اليمنى وأشار نحو لوغانو.
ومع تلك الإشارة، لمع بريق في عينيه، كأن الكون قد هبط فيهما.
وجد لوغانو نفسه في سماء ليلية فارغة، تحيط به النجوم المتلألئة من كل جانب.
بقي واقفًا في ذهول تام، بلا أي حركة، كأنه آلة فقدت طاقتها ومشغّلها.
بعد أن أنهى أمر خادمه، عاد لوميان لتفقد المكان مجددًا.
لكن عينيه كانتا ما تزالان ممتلئتين بألسنة لهب قرمزية متدفقة ومشتعلة، فيما ظل شكل الرجل العجوز ذي الرداء الأسود بعيدًا عن الإدراك.
ظلّ تعبير لوميان جامدًا بينما فرد أصابع يده اليمنى الخمسة، ثم قبضها بإحكام.
فجأة أصبح جسده أثقل، واندفعت النيران المحيطة به نحوه كالنهر العائد إلى البحر، وكأن قوة غير مرئية تجذبها.
ارتفعت الزجاجات، وأعضاء من أجساد مختلفة، وأشياء خفيفة في الغرفة لتتجه نحوه.
وعلى رفّ المعاطف الخشبي قرب الباب، برز شكل الرجل العجوز الشفاف ذي الرداء الأسود، وهو يُسحب بقوة خفية.
قاوم بكل ما يملك، لكنه لم يستطع الإفلات من الجذب نحو لوميان. كان كقطعة خشب جرفها فيضان، أو ورقة خفيفة في عاصفة عنيفة.
كانت يد لوميان اليسرى قد ارتفعت بالفعل، وفي راحته اشتعل لهب قرمزي مائل إلى البياض، تحول بسرعة إلى كرة صغيرة بيضاء تحت قوة السحب الهائلة.
ثم أُطلقت طبقات من الكرات النارية البيضاء المضغوطة، وتلاشى ذلك الجذب المرعب والقوي.
«با!» سقط الرجل العجوز أخيرًا على الأرض، وقد غمر بصره بالكامل لهب أبيض متوهّج.
«دوي!»
اصطدمت كرة النار البيضاء المتوهجة بالمُتجاوز الذي كان يجري تلك العملية الشريرة والطقس الغريب. دوّى الانفجار في أرجاء المكان، لكن الظلام الذي يلف الغرفة كتم صوته ومنعه من الانتشار.
وسط هذا الانفجار العنيف، لم يسمع أحد على السفينة أو يشعر بأي شيء غير طبيعي.
«دوي!»
تمزق جسد الرجل العجوز تحت قوة الانفجار المدمّرة. وتحولت أجزاء الجثة إلى فحم أو التهمتها النيران، متناثرة في كل أرجاء غرفة المعيشة والطعام.
وبمساعدة استحضار الأرواح، ودعم لويدويغ، استمتع لوميان بسلطة «حاكم البحر» والقوة شبه الإلهية التي منحتها له. لم يعد يهتم بما قد يتحول إليه العدو.
يا لها من قوة… هل هذا ما يعنيه أن تكون شبه إله؟ حتى لو كان ذلك مجرد وهم… لكن للأسف لن يستمر ذلك حتى السادسة صباحًا… تنهد لوميان وهو ينظر إلى بقايا الجسد المحترق.
كشف تفقد سريع أن لحم الرجل العجوز قد تفحّم بسرعة أو تحول إلى رماد، وكأنه صقيع اصطدم بحمم بركانية.
وخلال ثوانٍ، لم يبقَ في المكان سوى القلب والكبد والطحال والرئتين والكليتين والأمعاء والمعدة، إضافة إلى دماغ رمادي أبيض نصف محترق.
ماذا… حتى لو استخدم قدميه، أدرك لوميان أن هناك خللًا واضحًا.
فباستثناء الدماغ، كل بقايا العدو كانت أعضاء داخلية فقط.
العملية الشريرة التي أُجريت للتو كانت تقوم على استخراج الأعضاء الداخلية وترك الشخص يعيش كما لو لم يحدث شيء!
وفي الوقت نفسه، كان الطقس الغريب يستخدم مجموعة كاملة من الأعضاء الداخلية لمحاولة إعادة تشكيل ما يُسمى بجسد «طفل الإله»!
كلها أعضاء داخلية—كان من الصعب على لوميان ألا يربط بينها.
هل يمكن أن هذا الرجل قد أُخذت أعضاؤه سابقًا، وبقي على قيد الحياة عبر تركيب أعضاء الآخرين ليصبح متجاوزًا؟ ما اسم هذا؟ كيمياء بشرية؟ وإن كان صحيحًا، فمن الذي أخذ أعضاؤه أصلًا؟ فكر لوميان بصمت.
تلاشت النجوم في عينيه بسرعة، وعاد لوغانو إلى الواقع.
ومن مسافة أربعة أو خمسة أمتار، رفع لوميان يده اليمنى ولوّح بها بخفة.
«صفعة!»
شعر لوغانو بضربة قوة غير مرئية على وجهه.
انتفض جسده، وبدأت عيناه تستعيدان وعيهما تدريجيًا من ذلك الفراغ.
وكان أول ما رآه هو ألسنة النار القرمزية التي تتساقط من حوله وتنطفئ قبل أن تسبب أي ضرر.
ثم لاحظ بقايا جسد متفحمة، وأعضاء داخلية متناثرة، وزجاجات مليئة بسائل كهرماني فاتح، وأعضاء غارقة بداخله.
هل أنا ما زلت أحلم؟ هل هذه كابوس؟ وقبل أن يكمل الفكرة، ظهرت صورة رب عمله لويس بيري، ذو الشعر الأسود والعينين الخضراوين.
يا ابن… هذا الحلم أخذ منعطفًا غريبًا! ارتجف لوغانو وسأل دون وعي: «ماذا حدث؟»
فكر لوميان للحظة ثم سأل: «ما الحلم الذي رأيته للتو؟»
أي حلم؟ تأكد لوغانو أنه مستيقظ واسترجع ذكرياته: «حلمت بطفولتي. كانت أمي تقف عند الباب تناديني للعودة لتناول العشاء، وكانت تغني لي أغنية أطفال من بلدي…
لقد مرّ على وفاتها عشر سنوات تقريبًا. أشتاق إليها كثيرًا. كنت أقترب من الباب لكنني لم أستطع الوصول إليها…»
عندها أدرك لوغانو أن هذا ليس جناحهما. فصرخ في ذهول:
«ماذا حدث؟»
ابتسم لوميان وأجاب: «نمت حتى منتصف الليل وسرت نائمًا إلى هنا. كان هناك رجل عجوز يخطط لفتحك جراحيًا، وإخراج كليتيك، وتحويلك تدريجيًا إلى مريض مثل إينيو.»
كلما استمع لوغانو، ازداد الرعب داخله. فقد كان يتساءل سابقًا كيف يمكن لشخص مثل إينيو، الذي فقد معظم أعضائه الداخلية، أن يظل حيًا—حتى لو أصبح ضعيفًا—ليكتشف أنه كان على وشك أن يتحول إلى نفس الحالة!
«سسس…» شهق لوغانو بخوف وسأل: «أين ذلك الرجل العجوز؟»
أشار لوميان إلى الأرض وقال: «هذا كل ما تبقّى منه.»
وقبل أن يمنحه فرصة أخرى للتفكير، قال لوميان: «أحضر لويدويغ هنا.»
كان وقت وجبته الليلية يقترب أيضًا.
غادر لوغانو الغرفة بسرعة، ممتنًا لقراره اتباع لوميان إلى القارة الجنوبية.
وإلا لكان قد وقع تحت رحمة مثل هذه المواقف في أي مكان آخر!
كان يعتقد أن هذا الأمر لا علاقة له بلوميان، بل هو من جلبه على نفسه. ففي تريير، ربما كان سيواجه مريضًا مشابهًا فقد أعضاؤه الداخلية.
راقبه لوميان وهو يغادر، ثم رفع يده اليمنى ووضعها على ذقنه.
مجرد سماع بكاء الرضيع من الطقس الفاشل يمكنه التأثير على متجاوزي مسار «النبات» وإدخالهم في حالة نوم وسير نائم يتلقون خلالها الأوامر؟
أليس هذا مبالغًا فيه؟ إنه قمع كامل لمسار النبات…
يمكنني فهم شيء مشابه لو نجح الطقس وولد «طفل الإله» فعلًا. لكن رغم أنه فاشل، فهو بهذه القوة؟
حتى مع محدودية المدى، ما زال مرعبًا… هل هناك سبب أساسي لا أعرفه؟
وعلاوة على ذلك، هل يمكن فقط لمتجاوزي مسار النبات أو الباذر سماع بكاء طفل الإله؟ هل يمكن لمسار الصيدلي، القابل للتبادل مع مسار النبات، أن يسمع هو أيضًا؟
بينما كان لوميان غارقًا في أفكاره، أعاد لوغانو لويدويغ إلى الغرفة.
عند رؤية المشهد الدموي، وضع لويدويغ يده على فمه وتثاءب.
«أين الطعام؟»
لم يطلب لوميان شيئًا على الفور، بل التفت إلى لوغانو.
«احرس الباب.»
وبسبب حادثة شرب الدم السابقة، كان لوغانو قادرًا على تخمين ما سيحدث. لم يجرؤ على المواجهة المباشرة، وبمجرد سماعه الأمر تنفّس الصعداء وركض إلى الممر، مغلقًا الباب القرمزي خلفه.
عندها فقط أشار لوميان إلى الأعضاء الداخلية المبعثرة على الأرض.
«هل تحتاج أن أشويها لك؟»
نظر لويدويغ سريعًا إلى لوميان.
«ألا يزعجك هذا؟ إنها أعضاء بشرية.»
أطلق لوميان ضحكة خفيفة.
«في نظري، هذا لا يختلف عن أحشاء وحش.»
ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
«ثم أليس التقدم عبر امتصاص خصائص المتجاوزين نوعًا من أكل البشر أيضًا؟»
صمت لويدويغ، ثم تقدم خطوة إلى الجانب. جثا على الأرض، التقط قلب الرجل العجوز، ووضعه في فمه وبدأ يمضغه.
تقطر الدماء الحمراء ببطء من زاوية فمه.
جلس لوميان على كرسي، ينتظر بصبر انتهاء وجبته وهضمها.
بعد سبع إلى ثماني دقائق، أخرج لويدويغ منديلًا أبيض من جيبه ومسح فمه.
«هذه الأعضاء تخص أشخاصًا مختلفين. بعضهم متجاوزون، وبعضهم عاديون، بعضهم كبار سن وبعضهم مراهقون…
هناك آثار للتكرير البشري. هالة الحياة مختلطة وغير نقية…
سيتم التحكم بهم والتأثير عليهم من قبل المُكرِّر…
وبعد التكرير، لا يعرف الشخص أنه مرّ بهذه العملية.
يمتلك ذكريات كاملة عن حياته السابقة، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه بجسد عادي.
لقد تبع إينيو على متن السفينة، على أمل استخراج الأعضاء المتبقية وإكمال الطقس قبل وصول إينيو إلى وجهته…»
روى لويدويغ المعرفة والذكريات التي استوعبها بصوت مباشر وهادئ.
هل أعجبتكم الترجمة؟
إذا كانت لديكم أي ملاحظات يرجى كتابتها في التعليقات.
التعليقات (0)
يرجى تسجيل الدخول لكتابة تعليق أو التفاعل بالـ GIF.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!